عبد المنعم النمر

39

علم التفسير

وهذا الذي كان . . فقد اتخذ الرسول من بلاغة القرآن أقوى سلاح لدعوته . . فكان يحرص في مجالات الدعوة للإيمان على أن يقرأ على المشركين العرب آيات منه ، وهو مدرك تماما أنهم يتفاعلون مع تعبيراته ، ويحسون ما فيها من روعة تفوق كل روعة يحسونها من كلام الخطباء وشعر الشعراء . . حتى كانوا يضطرون وهم في ذروة معارضته ، والحملة عليه إلى اعتراف بعضهم لبعض سرا ، بأن هذا ليس من كلام البشر ، ولكنهم اتهموه أمام العامة بأنه سحر مبين ، وأصدر زعماؤهم تحذيرا عاما من الاستماع إليه خوفا من تأثيره عليهم وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ 26 « 1 » وقد وجدنا في قصة إسلام عمر أن استماعه لآيات من سورة ( طه ) أطفأت ما في نفسه من حمية جاهلية ، وقلبته من رجل يتوعد الرسول ، ويستعد لقتله ، إلى رجل هادئ ، وادع ، يستسلم للرسول ، ويؤمن به ، ويعز الله الإسلام بجرأته . هذا - وأمثاله كثير - يدلنا بلا شك على أن القرآن كان مفهوما للعرب بمجرد أن يسمعوه ، إذ لو لم يفهموه لما تأثروا به ، ولما سحرهم بقوة بيانه وبلاغته . . ولكن أي فهم كان ؟ لقد نزل القرآن يتحدث عن العقائد ، كما يتحدث عن التشريع ، وعن قصص السابقين ، وعن خلق الكون ، وبعض مظاهره وذلك بأسلوب جديد عليهم في قوته وبيانه ، مستعملا الحقيقة والمجاز والكناية ، وكثير من الموضوعات التي تحدث عنها جديدة عليهم ، فإلى أي مدى كان فهمهم للآيات التي تتحدث عن هذا كله ؟ هل كان فهمهم مستوعبا لكل آية ، وكل كلمة وعبارة ، وفي أي موضوع من الموضوعات التي تحدث عنها القرآن ؟

--> ( 1 ) فصلت / 26 .